كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وإذا وُجدت النفس المطمئنة والنفس اللوامة، فاعلم أن المجتمع بخير؛ لأن النفس المطمئنة تطيع، وتأمر بالطاعة، والنفس اللوامة تلوم صاحبها على الشر، ولكل مؤمن نقطة ضعف، فإذا ضعف مؤمن، يسرع له أخوه المؤمن ليلومه على ضعفه، ويصحح له مساره؛ ولأن نقط الضعف مختلفة، نجد أن المجتمع يستقيم كلما وُجد من يلتفت النظر إلى المنكر وينهى عنه، وهؤلاء هم الذين يقول الحق عنهم:
{إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَتَوَاصَوْاْ بالحق وَتَوَاصَوْاْ بالصبر} [العصر: 3].
ولكن عندما تصدأ النفوس جميعًا، ولا يصبح هناك من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، بل تجد من ينهى عن المعروف ويأمر بالمنكر، حينئذ لابد أن يتدخل الحق سبحانه ليعيد للحق مكانه في الدنيا.
إذن: فرب العزة لا يتدخل في حالة وجود نفوس مطمئنة تطبق منهج الله وتأمر بطاعته، أو وجود نفوس لوامة، سواء في ذات النفس البشرية أو في المجتمع تراجع من يرتكب الإثم وتلومه، ولكن إذا عَمَّ الفساد في المجتمع، ولم يصبح هناك من ينهى عن المنكر ويأمر بالمعروف، وأصبح أهل الخير فيه عاجزين عن أن يفعلوا شيئًا، جاءت الرسل لتعيد منهج الحق لينظم حياة هذا المجتمع.
وحين يأتي الرسول فهو يعلم أنه ما أُرسل إلا بعد أن عَمَّ الشر في الكون، وأن أهل الفساد هم الأغلبية، وهم أصحاب النفوذ والسلطان، وينتفعون بالفساد والانحراف المستشري في المجتمع. وهؤلاء إذا سمعوا بصيحة الحق؛ فلن يقفوا متفرجين، بل سيحاربون كل من يحمل منهج الحق إليهم. ولابد للرسول من أن يصمد أمامهم، وأن يجاهدهم.
وجاهد من فاعل، مثل شارك، فأنت تشارك فلانًا، ومثل: قاتل فأنت تقاتل فلانًا، إذن: فلابد أن تحدث مفاعلة بين الرسول ومن ابتعوه، وبين أئمة الكفر والفساد في المجتمع.
ولابد أن يستعد الرسول والمؤمنون بمنهجه لتحمُّل الإيذاء من غير المؤمنين بالمنهج؛ لأن الكفار منتفعون بالفساد، ولكي يستمر هذا الانتفاع، لابد أن يقف الكفار ضد حَمَلَة منهج الحق، وأن يقاوموهم ليضمنوا لأنفسهم استمرار الميزات التي يعطيها الباطل لهم. وينبه الله سبحانه وتعالى لرسوله إلى حقيقة هؤلاء الكفار المنتفعين بالفساد، وأنهم سيحاربونه. ولذلك لم يقل سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: اتحد معهم، ولكنه قال: {جَاهِدِ الكفار والمنافقين}، أي: اصمد أمامهم في المعركة، وجاءت الكثير من الآيات التي أمر فيها الله رسوله والمؤمنين بالصبر على الجهاد، والجهاد يقتضي المواجهة، لذلك قال سبحانه: {اصبروا}.
ولكن لنفرض أن عدوِّي صبر أيضًا في الحرب، إن أنا صبرت وعدوي صبر تساوت الكفتان؛ ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {اصبروا وَصَابِرُواْ...} [آل عمران: 200].
أي: إن واجهكم عدوكم بالصبر، فليكن صبركم أقوى منه، فتغلبوه بالصبر والتحمل، فقف صابرًا في مواجهتهم ومعك المؤمنون برسالتك، فمعسكر الإيمان لابد أن يواجه معسكر الكفر والنفاق، والكافر هو الذي جحد الإيمان بقلبه وأعلن الكفر بلسانه، أما المنافق فهو من كفر في باطنه ويعلن الإيمان في ظاهره.
وهذا هو الذي يجب أن نحذر منه أشد الحذر؛ لأننا لا نعرفه فنتقي شره مثل الكافر، فقد يطعنَّا المنافق من الخلف ونحن آمنون له مطمئنون إليه، فتكون طعنته مؤثرة وأليمة.
ويوضح الحق لرسوله صلى الله عليه وسلم: إن العداوة التي سيواجهها وهو يبشِّر بمنهج الله ستأتيه من اثنين؛ من كافر أو منافق، أي من مجاهر بعدم الإيمان، أو ممن كفر بقلبه وتظاهر بالإيمان بلسانه. أما المنافق فإنه عدو صعب؛ لأنه يغشنا فلا نأمنه، رغم أن النفاق في حد ذاته بالنسبة لمنهج الله هو دليل قوة هذا المنهج؛ لأنه لا ينافَق إلا القوي، أما الضعيف فلا ينافقه أحد.
ولذلك لم يكن هناك منافقون أثناء وجوده صلى الله عليه وسلم في مكة قبل الهجرة؛ لأن المسلمين كانوا قلة ضعافًا، وكانوا مُعذَّبين مضطهدين. ولم يكن هناك ما يغري أحدًا بنفاقهم؛ لأنه لا توجد استفادة من هذا النفاق، بل سيتعرض من يتعاطف معهم للتعذيب والاضطهاد. والمنافق في إظهاره غير ما يبطن إنما يحقق لنفسه مصلحة ذاتية.
واختلف الحال بعد أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وظهر المنافقون بعد أن أصبح للإسلام دولة وقوة. والمنافق في هذه الحالة إنما يعلن إيمانه زَيْفًا، ليستفيد من قوة المسلمين لصالحه. إذن: فالنفاق ظاهرة مرضية في المنافق، ولكنها دليل قوة للمؤمن الذي ينافقه.
ونلحظ أنه سبحانه وتعالى قد قدَّم في هذه الآية ذكر الكفار على المنافقين. وقدَّم في آيات أخرى المنافقين على الكفار. والصدام- كما نعلم- قد حدث أولًا مع الكفار، ففي أول الدعوة لم يوجد هذا الصنف المنافق، بل كان هناك مؤمنون وكفار، وجهاد الكفار جاء على مراحل، وليس على مرحلة واحدة، وكانت أولى مراحل الجهاد هي الجهاد بالحجة؛ لأن المؤمنين في أول الأمر كانوا قلة ضعيفة لا يملكون قوة يواجهون بها هذا المد الكبير من الكفار. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض قضايا الإيمان بالحجة لإقناع العقل؛ لعل عقولهم تفيق فيؤمنون بمنهج الحق. فيسألهم مثلًا عمَّنْ خلق السموات والأرض؟
وحين يديرها الكافر في عقله لا يجد أن أحدًا ادعى- أو يستطيع أن يدعي- أنه خلق السموات والأرض، فلا يكون جوابهم إلا أن الخالق هو الله سبحانه وتعالى، لماذا؟ لأن الإنسان في تكوينه قد يدعي أشياء ليست له، ولكنه لا ينفي أمرًا هو صاحبه. فمخترع أي شيء أو صانعه لا يمكن أن ينكر أنه صنع أو اخترع، بل يجب أن تعرف الدنيا كلها أنه اخترع أو صنع؛ ولهذا فأنت لا تجد شيئًا ينتفع به في الكون مهما كان تافهًا إلا وعرفنا تاريخه، ومن أين جاء، ومن الذي طوره. وكذلك اختراع الطائرة، ومعروف لنا كيف نشأت فكرة الطيران بعباس بن فرناس؛ الذي حاول الطيران بذاته بواسطة أجنحة كبيرة، وهكذا كانت البداية.
إذن: فكل شيء نافع في الكون معروف من الذي اكتشفه أو صنعه أو اخترعه. فإذا كان هذا هو الحال بالنسبة للصناعات البشرية المحدودة، فما بالك بالنسبة للكون؟ وحين نسأل: من الذي أوجد الشمس؟ ألا يستحق خالقها أن نعرف من هو، خصوصًا ونحن نعرف من الذي اخترع مصباح الكهرباء وأوجده في حياتنا؟
وإذا كنا نملأ الدنيا بالحديث عن مخترع مصباح الكهرباء الذي ينير حجرة محدودة لوقت، وقامت مصانع كبيرة لتنتج هذا الاختراع، أفلا نستحق أن نعرف من الذي أوجد الشمس التي تنير نصف الكرة الأرضية في نفس اللحظة؟ هذه الشمس التي تشرق منذ ملايين السنين، ولم تنطفئ مرة واحدة، ولا احتاجت قطعة غيار طوال هذ العمر الطويل، ولابد أن يكون لها صانع؛ تتناسب قوته وقدرته مع ذلك الإعجاز الذي نراه سواء في الضوء، أو في خصائص هذا الضوء، أو في دقة الصنع؛ فهي لا تتأخر ثانية ولا تتقدم ثانية عن الظهور، ولابد أن يكون صانعها له من القوة ما يتناسب مع عظمة هذا الخلق.
فإذا جاء الرسول وأبلغنا أن الله هو الذي خلق الشمس، فإما أن يكون صادقًا؛ فنسلم جميعًا بأن الله هو الخالق والموجد. وإما أنه غير صادق، فنقول: لماذا لم يخرج إذن أحد يدعي أنه هو الذي خلقها.
ولكن دقة وإعجاز الخلق الذي لا يمكن أن تصل إليه قوة بشرية مفردة، أو قوى بشرية متعددة متعاونة، جعل القضية محسومة له سبحانه وتعالى. وإلى أن يأتي من يدعي أنه خلق الشمس، ولن يأتي؛ فقضية الخلق محسومة لله سبحانه وتعالى، ولا يوجد هناك منازع.
ويأتي رسول ليقول: إن خالق الأرض والشمس والسموات والكون هو الحق سبحانه وتعالى، فلم يَأتِ أحد ويدَّعي أنه قد خلق شيئًا من هذا، مما يؤكد صحة دعوى الرسول، مما يؤكد أن من أوجد هذا الكون هو قوة بلا حدود، وقدرة بلا قيود، وهو الأحق بالعبادة من هذه الأصنام والآلهة التي يدعونها.
وتمضي الدعوة بالمنطق ليسألهم من الذي خلقهم؟ مصداقًا لقول الحق سبحانه وتعالى: {أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخالقون} [الطور: 35].
فإذا كان الجواب: لا هذا ولا هذه، إذن: فلابد أن هناك خالقًا وموجدًا لنا، فإذا جاء لنا الرسول وأبلغنا: إن خالق هذا الكون وخالقنا هو الله، فلابد أن نصدقه؛ لأنه لم يدَّعِ أحد ولا يستطيع أن يدعي أنه خلق هذا الكون أو خلق نفسه، تمامًا كما نكون قد جلسنا في مكان. وبعد أن انصرفنا، وُجدَت حافظة نقود، فجاء صاحب المكان وسأل كل الذين كانوا حاضرين، فنفوا جميعًا ملكيتهم لحافظة النقود، عدا واحدًا، حينئذ تكون حافظة النقود ملكه؛ لأنه هو وحده الذي ادعاها ولا يوجد معارض.
وفي خلق السموات والأرض وخلق الإنسان لا يجرؤ بشر أن يعارض الحق سبحانه وتعالى؛ ويدعي أنه خلق. إذن: فالقضية محسومة تمامًا لله. هذا هو جهاد الحجة حيث يقتنع العقلاء بالمنطق، أو يقتنع من يستمع إليه فيفهمه، فإذا وصلنا إلى أن الحق سبحانه وتعالى هو الخالق والموجد، يمكننا أن نتساءل: من الذي يضع المنهج للإنسان على الأرض؟ لابد أن نُقدِّر أن من يضع المنهج للإنسان على الأرض هو خالقه وموجده، تمامًا كما نثق أن صانع أي آلة هو الأقدر على وضع أسلوب عملها، فهو يعلم ما يصلحها وما يفسدها.
والمثال: أن الإنسان منا يعطي ساعة يده لمن تخصص في إصلاح الساعات، ويستدعي المتخصص في إصلاح الثلاجة إن أصابها عطب، ويستدعي الإنسان كل متخصص لإصلاح الآلة التي درس تفاصيلها، وكل متخصص يعود إلى كتاب التصميم الذي وضعه مَنْ اخترع الآلة، وبيّن فيه ما يصلحها وما يفسدها، ولذلك فأنت لن تستدعي نجارًا ليصلح التليفزيون.
إذن: فما دام سبحانه وتعالى قد وضع منهجًا فلابد أن نتبعه؛ لأنه هو موجد هذا الكون وموجدنا، ويعلم ما يصلحنا وما يفسدنا.
فإن فشل جهاد الحجة، يقول الحق سبحانه وتعالى: {واغلظ عَلَيْهِمْ} وبماذا يغلظ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم؟ إنه يغلظ لإيضاح المصير الذي ينتظرهم، وكل كافر هو عابد للدنيا ويخاف أن تضيع منه الدنيا لأنه لا يؤمن بالآخرة، فأنذره بالآخرة، وانذره بالعذاب الذي ينتظره، وقُلْ له: أنت لست خالدًا في الدنيا، وما ينتظرك في الآخرة هول كبير.
ولكن المؤمن يعرف أن الدنيا وراءها آخرة وجنة؛ ولذلك وجدنا المؤمن الذي يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الحرب: ادع لي يا رسول الله لأستشهد. ويقول آخر: أليس بيني وبين دخول الجنة إلا أن أقاتل هؤلاء فيقتلوني؟ فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، فيلقي الرجل بتمرة كان يأكلها وينطلق إلى المعركة ويستشهد.
هذا هو معنى الإيمان، ولو لم يكن المؤمن واثقًا تمام الثقة أنه سيذهب إلى نعيم ليس بعده نعيم، لما انطلق إلى المعركة طالبًا الشهادة.
إذن: وهم يُقْدمون على الشهادة بهذه الشجاعة تمتلئ أعماقهم بالإيمان وبأحكام الله فيه، وتدفعهم القناعة التامة- بأن هناك جنة في الآخرة- إلى الاستشهاد، وفي المقابل نعرف أن الذي ينتظر الكفار هو النار. وهكذا نفهم قول الحق: {واغلظ عَلَيْهِمْ} أي: أنذرهم بالعذاب الرهيب الذي ينتظرهم عَلَّهُمْ يفيقون. والشاعر يقول:
أنَاةٌ فإنْ لَمْ تُغْنِ عقِّب وَعيدًا ** فإنْ لَمْ يُغْنِ أغنَتْ عَزَائِمه

وَمَا هُو إلاَّ السيف أو حَدُّ طَرْفِه ** يقيمُ زباه أخْدعَ كُلِّ مَائِلِ

فَهذا دَوَاءُ الدَّاءِ منْ كُلِّ جَاهِل ** وذَاك دَواءُ الداءِ منْ كُلِّ عَاقِل

فمن آمن بالمنطق آمن، ومن لا يؤمن نقول له: دع كلمة الحق تُعلَنُ على الناس جميعًا، وأنت حر في أن تؤمن أو لا تؤمن، وإنْ أردتَ الحياة في كنف الأمة الإسلامية فأهلًا بك، ولا يهم أن تؤمن أو لا تؤمن؛ لأن الحق قال: {فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ...} [الكهف: 29].
واعلم أنه يشترط في كل من يدخل الإسلام أن يكون مقتنعًا بهذا الدين، ومقتنعًا أيضًا بأنه الدين الحق.
والذي لا يؤمن، يعيش في كنف الأمة الإسلامية وله حريته الكاملة في اتباع عقيدته، ولكن منهج الحياة وحركتها لابد أن تسير وفقًا لمنهج الله، وما دام الإيمان هو الذي يسيطر على حركة الحياة {فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}؛ فذلك لا يؤثر في حركة المجتمع المؤمن؛ ما دام المجتمع كله سائرًا بالمنهج، وتسير الحياة كما أرادها الحق سبحانه وتعالى.
والله هو خالق الإنسان، وهو الذي جعله خليفة في الأرض، وهو يغار على خلقه، تمامًا كما تأتي لشيء جميل صنعه فنان أو عامل، وتحطم أنت هذا الشيء أمام صانعه. إن قلب الصانع- في هذه الحالة- يمتلئ بالغضب، ويسرع بعقابك.
والحق سبحانه وتعالى عندما يرى إنسانًا يفسد صنعته في الكون، ويحاول أن يحطمها، فسبحانه يغار على صنعته؛ لأن الله خلقنا مختارين، ولكي يكون الحساب عَدْلًا، لابد من البلاغ أولًا، وأن تصل الدعوة إلى آذان الناس، فمتى وصلت الدعوة فهذا إتمام لرسالة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم يختار الإنسان من بعد ذلك أن يؤمن أو لا يؤمن، لذلك طلب الحق من رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجاهد الكفار والمنافقين، وأن تكون الدعوة أولًا بالبرهان والإقناع. فإن لم يَأْتِ البرهان بنتيجة، وحاول أحدهم أن يقاوم الدعوة بالسلاح فَليُردع بالسلاح.